الاستفزازات الإسرائيلية في سوريا: أنقرة ودمشق بين ضبط النفس وفخّ المواجهة
24/08/2026
سوريا بين أزمة الطاقة وعودة أصالة نصري
21/09/2026
الاستفزازات الإسرائيلية في سوريا: أنقرة ودمشق بين ضبط النفس وفخّ المواجهة
24/08/2026
سوريا بين أزمة الطاقة وعودة أصالة نصري
21/09/2026
مشاهدة الكل

سوريا بعد التحرير: من نشوة الانتصار إلى امتحان الخدمات

سوريا بعد التحرير: من نشوة الانتصار إلى امتحان الخدمات

بقلم محمد صادق شيخ ديب

14 أيلول 2026

مقدمة: من النشوة إلى التساؤل

الانتقال من الفرح الجماعي إلى المساءلة اليومية أمر طبيعي بعد أي تحرر، لكنه تسارع هنا بشكل استثنائي بفعل حجم الأزمة الهيكلية الموروثة. ومع ملامسة الناس تردي الخدمات وتراجع القدرة الشرائية، تصدّر سؤال النقاش العام: “ماذا تغيّر فعليًا على الأرض؟”

الفجوة بين توقعات ما بعد التحرير وإمكانات الدولة الفعلية، إن تُركت دون خطاب واضح وإجراءات إسعافية، قد تتحول إلى أرضية خصبة لفقدان الثقة وانتشار اتهامات التخوين. والتحدي الحقيقي ليس تعثر ملف واحد، بل تزامن عدة أزمات معًا، وهو ما يختبر قدرة الدولة على تحويل شرعية التحرير إلى شرعية إنجاز مستدامة.

أولًا: إرث الدمار:

قدّر البنك الدولي كلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار (تقرير البنك تاريخ النشر: 21 أكتوبر 2025): 82 مليار دولار للبنية التحتية (مياه، طاقة، طرق، اتصالات)، 75 مليار دولار للمباني السكنية المتضررة، و59 مليار دولار للمنشآت الاقتصادية وغير السكنية. هذا الرقم يعادل نحو عشرة أضعاف الناتج المحلي السوري المقدر، ويفسّر جزءًا كبيرًا من بطء التعافي، لكنه لا يعفي الإدارة من ضرورة رؤية واضحة وتنفيذ أكثر كفاءة.

آليات تمويل مقترحة:

  • صناديق استثمار للمغتربين: أدوات مالية سيادية مضمونة، يستثمر عبرها السوريون في الخارج بمشاريع محددة (كهرباء، مياه) مقابل عوائد وإعفاءات ضريبية واضحة المدة والشروط.
  • شراكات القطاعين العام والخاص: نقل مشاريع بنية تحتية قابلة للربحية (كالطاقة الشمسية ومعالجة النفايات) إلى عقود شراكة محددة المدة، لتخفيف العبء عن الموازنة العامة.

ثانيًا: الغلاء والطاقة، الأزمة تنتقل إلى الشارع

ارتفاع أسعار الطاقة هو الأكثر تأثيرًا في حياة المواطن اليومية، لأن كلفة المحروقات تنعكس فورًا على النقل والغذاء والتدفئة، في اقتصاد يعتمد على الاستيراد وسط تراجع سعر الليرة. وهناك عوامل خارجية حقيقية — اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع كلفة الشحن، لكنها لا تلغي مسؤولية الإدارة عن توقيت القرار ووضوح التواصل بشأنه.

الإعلان الصريح عن أرقام العجز خطوة إيجابية نحو الشفافية، حتى لو جاءت متأخرة. لكن الشفافية بعد اتخاذ القرار لا تغني عن التمهيد له قبل تنفيذه، وقد انعكس غياب هذا التمهيد في احتجاجات الحسكة ودير الزور والرقة وإدلب وحلب. هنا تصبح إدارة الغلاء جزءًا من إدارة أزمة الثقة نفسها: المطلوب ليس تفسير الأسباب فحسب، بل إظهار قدرة الدولة على حماية الفئات الأكثر تأثرًا.

رفعت اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية أسعار المحروقات مساء السبت 13 أيلول 2026، بنسب تراوحت بين 8.8% و40%. (الجزيرة، والأناضول 13 سبتمبر 2026)

مقترحات: دعم مباشر مؤقت للفئات الأكثر تأثرًا يُصرف قبل أي رفع جديد للأسعار وليس بعده، ونشر بيانات الأسعار وهوامش الاستيراد بشكل دوري ومبسّط (تحديث شهري على الأقل) لقطع الطريق أمام الشائعات.

ثالثًا: فجوة الامتيازات

اندماج عناصر من فصائل مسلحة سابقة، وفي مقدمتها هيئة تحرير الشام، في مؤسسات الدولة، أوجد تفاوتًا في القرب من دوائر القرار وما يرتبط به من امتيازات ورواتب. المسألة لا تكمن في حجم الفوارق وحده، بل في الطريقة التي تُقرأ بها من خارج هذه الدوائر، خصوصًا حين تتزامن مع موجات غلاء تطال الجميع تقريبًا، مما يعزز الانطباع بوجود نخبة مستفيدة داخل مؤسسات الدولة.

مقترحات: سلم رواتب موحد للقطاع العام (مدني وعسكري) يستند إلى معايير الكفاءة لا الانتماء السابق، وقواعد واضحة تمنع تضارب المصالح مع نشر دوري لمعايير التعيينات في الوظائف العليا.

رابعًا: الانفتاح المنقوص

رُفع اسم سوريا عن قائمة الدول الراعية للإرهاب، وأُلغي قانون قيصر، وانفتحت قنوات مع الخليج وأوروبا وواشنطن. لكن هذا لم ينعكس بعد على حجم استثمار يوازي التحول السياسي، لأن المستثمرين ما زالوا يترقبون استقرار المشهد الأمني ووضوح القوانين والضمانات المصرفية. أزمة المحروقات تُظهر أن الانفتاح الخارجي وحده غير كافٍ؛ فهو يحتاج بيئة استثمار محلية مستقرة وبنية إنتاجية قادرة على تحويل الفرص إلى نمو حقيقي وفرص عمل. وبين انفتاح سياسي متسارع وإصلاح اقتصادي متعثر، تتشكل فجوة إضافية تغذّي السؤال ذاته الذي بدأت به هذه الورقة: “ماذا تغيّر فعليًا على الأرض؟”

خامسًا: البعد الأمني

لا يمكن فصل التعثر الاقتصادي عن الواقع الأمني. خلايا داعش النائمة ما زالت تستغل فراغات أمنية، خصوصًا في دير الزور، إلى جانب مخاطر بقايا النظام السابق وعناصر فصائل محلية خارج سيطرة الدولة ترفض سلطة المركز. هذه التهديدات تستنزف موارد الدولة وتحد من قدرتها على توجيه المزيد للإعمار والخدمات.

مقترح: الفصل الصارم بين التعامل الأمني مع الخلايا المسلحة والتعامل مع الاحتجاجات المعيشية السلمية، لتجنب تحويل مطالب اقتصادية إلى ملف أمني.

سادسًا: محاور المعالجة

  1. إطلاق إحاطات حكومية أسبوعية، وإعلان مسبق عن القرارات الكبرى مع شرح أسبابها وآثارها، وربط الخطاب الحكومي بمؤشرات أداء قابلة للمتابعة.
  2. تفعيل هيئة رقابية مستقلة للتعيينات والرواتب، وتوحيد السلم الوظيفي خلال ستة أشهر.
  3. إقرار قانون استثمار محدّث، وخارطة طريق لقطاع الطاقة على ثلاث سنوات بمصادر تمويل محددة.
  4. توحيد مرجعية القوى الأمنية، واعتماد بروتوكول واضح للتعامل مع الاحتجاجات يحترم حق التعبير السلمي.

خاتمة

الرصيد الشعبي للتحرير ليس هبة دائمة، بل رأس مال قابل للتآكل. احتجاجات رفع أسعار المحروقات ليست سوى أول اختبار، ولن تكون الأخيرة. فالتحديات اليوم بنيوية أكثر منها تقصيرًا متعمدًا، لكن استعادة الثقة تُقاس بإنجاز ملموس، لا ببيانات.

إن استعادة الثقة ليست مسألة إدارية فحسب، بل مسؤولية أخلاقية أمام جيل دفع ثمن التحرير من أمنه واستقراره

لقراءة البحث كامل بصيغة PDF
من نشوة الانتصار الى امتحان الخدمات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

deneme bonusu veren siteler - canlı bahis siteleri - casino siteleri casino siteleri deneme bonusu veren siteler canlı casino siteleri cURL Hatası: Could not resolve host: lkl.dolarkurum.com