جهود لمساعدة فقراء العالم واللاجئين
18/04/2020
تهنئة بمناسبة حلول رمضان
26/04/2020
مشاهدة الكل

المال السياسي ومأساة الثورة السورية

المال السياسي ومأساة الثورة السورية

عيسى حسين المحمد*

أصدرت الحكومة القرار (س) وأوصت بتطبيقه فوراً، فالحالة الطبيعية هنا أن تمتثل كل المؤسسات للقرار! ولكن ما حدث هو أنه لم يكترث أحد للقرار، فلا السياسي أعجبه القرار ولا العسكري مستعد لتنفيذه. لسان الحال طعن وتجريح بالحكومة لضعف سلطتها وهشاشة مؤسساتها، وذلك العسكري الذي يظن نفسه نابليون بونابرت، وذاك السياسي الذي يرى نفسه كـ ميكافيلي، لا هم لهم سوى اصطياد أخطاء بعضهم حتى يظهر كل طرف بأنه يسير في الطريق الصحيح.

يكاد لا ينكر أحد أنّ هناك فجوة عميقة بين السياسي والعسكري من جهة، وبينهما وبين الشعب المقهور من جهة أخرى، فالعسكري منذ بداية الثورة يحذر السياسيين من خطط النظام وحلفائه في الداخل، والسياسي كذلك الأمر يرغي ويزبد من خطط النظام وتحركاته على الصعيد السياسي، والنتيجة، العسكري لا تهمه السياسة والسياسي لا يهمه عمل العسكري إن لم يكن مقترناً بتحرك سياسي متوازن.

ما السبب يا ترى؟ هل هو عقدة النقص في القدرة على إيجاد البديل؟ أم هو يأس من السياسة في مواجهة نظام ليس لديه حل سوى البطش بيد من حديد؟

سأحاول هنا إثبات فرضية أن السبب الرئيسي في وصولنا الى هذه الحالة هو المال السياسي!

فتمزق الصفوف، وتشتت الآراء، وعدم وضوح الهدف، والصراع الفصائلي، وضعف الثقة الشعبية، مرد ذلك كله الى المال السياسي.

أولاً: تعريف ومفهوم المال السياسي

تغيب -للأسف- التعريفات الوافية لمصطلح “المال السياسي” والتي يمكن أن تحيط بمجمل تأثيراته وأدواره واتساع الأنشطة التي يتداخل معها! لذا ثمة عدم اتفاق على تعريف “المال السياسي” في الأدبيات السياسية، ولكن أبرز التعريفات تذهب الى ان المصطلح يُطلق على الأموال التي تُضّخ في أنشطة ومشاريع وواجهات سياسية، وأبرزها الانتخابات النيابية والمحلية والرئاسية، بهدف التأثير في السياسات والنتائج، ومن ثم إخراجها عن سياقها الطبيعي، وجعل المستخدمين للمال السياسي يؤثرون في الواقع السياسي بما لا يتناسب وتمثيلهم الحقيقي أو أوزانهم في العملية الديمقراطية.[1]

هذا التعريف يذكرنا بأشهر صفقة سلاح في تاريخ بريطانيا، وهي صفقة اليمامة سنة 1985، التي تلقّت مقابلها ما يزيد عن ستمئة ألف برميل نفط يومياً، وتوصف هذه الصفقة بأنها الأضخم في تاريخ بريطانيا والأكثر ارتباطاً بالفساد الذي تورط فيه أمراء سعوديون. وقد أغلقت بريطانيا ملف الصفقة بعد أن دفعت مبالغ مالية هائلة لسياسيين بريطانيين من أجل تمريرها، فالمال هنا كان لأجل تغيير قرار سياسي كبير، وكان وصفه الشرعي بأنه مال سياسي.

ولكن، هل هذا التعريف متطابق مع واقع الحال في الثورة السورية يا ترى؟ وكلنا يعلم أن لا دولة تجمع شتات الثورة، ولذلك من الأفضل أن أتحدث عن مفهوم المال السياسي وليس تعريف المال السياسي! فالمفهوم يركز على الصورة الذهنية، وهو فكرة تتكون في ذهن الانسان نتيجة للخبرات المكتسبة فيما يتعلق بشأن من الشئون.

من الممكن أن يكون المال السياسي في الثورة السورية أشبه بدفة قيادة لسفينة بالرغم من أننا ساكنيها إلا أنها ليست سفينتنا وستقودنا الى وجهة ليست وجهتنا.

ثانياً: بداية الانحراف

في كتابه “سيكولوجيه المال” يوضح الدكتور أكرم زيدان أن المال ليس فقط مجرد ظاهرة اقتصادية بل هو أيضاً ظاهرة نفسية تؤثر في شخصيه الإنسان، وهو مصدر من مصادر القوة والهيمنة، والسيطرة والشعور بالسعادة او القلق والألم والخوف، وهو أحد أهم العوامل التي تتأثر بحركة التاريخ وتغيراته وتوجهاته وتقلباته.

 نعم إنه المال، صوت من لا صوت له، وقوة من لا قوة له، وجندي من لا جنود له. يمكن القول بأن كل الذين يتهمون بحرف مسار الثورة عن هدفها الحقيقي كانوا من الذين يعانون الحرمان قبل الثورة، ولكن عندما بدأت الأموال تتدفق على الثورة بلا رقيب أو حسيب، تغيرت شخصيات أولئك القادة بما يتناسب مع الوضع الجديد، وأصبحوا جنوداً للداعم؛ فأضاعوا الهدف وارتدوا على اعقابهم، وحادوا عن الطريق الذي رصف بجماجم الشعب السوري، ضاربين بعرض الحائط المبادئ والقيم التي تجسدت في وجدان الشعب فدخلوا في محاصاصات ماليه قذرة، وأصبحوا وكلاء للجهات الممولة بعد أن كانوا وجهاء الشعب. يترافق ذلك مع أن الانسان مجبول على حب المال، قال تعالى: وتحبون المال حباً جماً.

 كانت بداية الانحراف عندما وصلت الثورة السورية إلى حالة من التوازن مع النظام السوري، وبالتزامن مع عدم حسم موقف المجتمع الدولي في أي الطرفين يكون، ولكن قضي الأمر بدعم النظام السوري دعم خيالياً فلعب المال السياسي الدور الأكبر في تغيير موازين القوى وتغليب طرف (النظام) على آخر.

هنا بدأ الفساد ينخر جسد الثورة وتحول المال الذي من المفترض أن يكون وسيلة وليس غاية إلى نوع من الأسلحة غير المرئية، فتهدم وتفتك وتعرقل وتؤزم بصمت قاتل.

 إن استخدام المال السياسي في غير محله أصاب الثورة في مقتل، وخطورته تتمثل أيضا في قيام أشخاص بفرض أنفسهم على الساحة دون رؤية وطنيه أو برنامج عمل واضح، وهذه النقطة تعد من أبرز السجالات التي تواجه الثورة السورية اليوم.

فوق كل هذا فقط جذب المال السياسي اللصوص وعسكر الشوارع، وزاد الهوة اتساعاً بين السياسي والعسكري من جهة، وبين الثورة وحاضنتها الشعبية من جهة أخرى. وكان السبب الأهم في الاقتتال الداخلي بين الفصائل، ناهيك عن الران الذي ضرب قلب الثورة فأصبحت تلك النكتة السوداء هي الثورة بنظر البعض، اي أنها شُخصنت، وذاك المصاب.

ثالثاً: كيفية الاستخدام

منذ فترة ليست بالبعيدة ضجت وسائل الاعلام بخبر إلقاء القبض على عصابة قامت بسرقة مبلغ مالي قدره خمسة ملايين ليرة تركية وأكثر من عشرة كغ من الذهب! من منزل أحد قادة الثورة السورية ومالك إحدى أشهر القنوات التلفزيونية. إذا سألنا أنفسنا سؤالاً بسيطاً، هل كان هذا الشخص على هذه الدرجة من الثراء قبل الثورة؟ الإجابة ستكون حتما ً هي النفي، فالكل بات يعلم أن أغلب قادات هذه الثورة كانوا اشخاصاً عاديين جدا ً، ومن الطبقة الدنيا إذا صح التعبير.

فهذا المال إما أن يكون المال السياسي نفسه، أو أن صاحبه دخل في أعمال غير مشروعة، وحتى أكون أكثر دقة، استخدم المال السياسي لأعمال غير مشروعة.

من أين حصل ذلك الرجل(القائد) على ملايين الدولارات الأمريكية لإفتتاح مشاريع تجارية تعد الأضخم في الداخل التركي؟!

إنه من الإنصاف أن أقول: إن هناك قدرا ً لا بأس به من الأموال انفقت في الصالح العام للثورة، ولكن هذا القدر لا يُرى أمام ما أنفق في غير محله.

لا شك أن الثورة ولّدت أثرياء حرب، أكثرهم شرهاً النظام وزبانيته، وأصبح المال مثل الاخطبوط يمد أذرعه في كل الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية. وله دور مهم جدا ً في ظهور الهويات الفرعية على الساحة، والتي كان لها آثار سيئة جدا ً على وحدة الصف السوري الثوري؛ من خلال تعصب بعض الفصائل لهذه الهويات ضاربين بعرض الحائط الولاء للثورة وللشعب. إن المصيبة ليست هنا، إنما في ولاء تلك الهويات! ولا أجد شبيها لهذه الحالة إلا الشاعر “الحطيئة” الذي تكلم بلسان من كان في جوارهم -بغضّ النظر عما إذا كانوا على خطأ أو صواب-تاركا ً قيم الإسلام ومبادئه وراء ظهره متمسكا ًوغير قادر على الخلاص من موروث الجاهلية. وإذا افترضنا أن الحرب قامت بين الحييّن (بنو شمّاس والزبرقان بن بدر) أين سيكون الحطيئة؟ بالنظر إلى حالة الحطيئة في تلك الفترة، ستكون الإجابة أنه سيكون في صف من كان يطعمه ويسقيه وينفق عليه.

واليوم، وبالنظر الى واقعنا نرى الكثير ممن يدخلون في صراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ولا تنفعهم في شيء على المستوى الشخصي ولا على مستوى القضية، ولكن سيف مال الداعم صلتا ً على رقابهم، فلا خيار لهم سوى الإذعان.

رابعا ً: آثار الاستخدام

لدينا الآن في المناطق المحررة أربع تكتلات سياسية كلها تدّعي العمل في صالح الثورة، وكل واحدٍ من تلك التكتلات له خطاب مختلف عن الآخر مما أدى الى ضعف التواصل مع الداخل وعدم حصول أي تكتل على الثقة المطلوبة.

يمكن إرجاع سبب ذلك كله الى اختلاف مصدر المال السياسي لكل تكتل، عداك عن الصراع الدائم بينهم في سبيل فرض الرؤية الخاصة لكل منها، متناسين مشاكل الداخل وأزماته. وهذا ما قصده المعارض السوري ميشيل كيلو عندما قال: اختلفنا على جلد الدب قبل اصطياده.

في مقابل هذه التكتلات هناك فصائل عسكرية يزداد التنافس فيما بينها على الموارد الاقتصادية (المعابر التجارية) مما أدى الى زيادة التشظي في كيان الثورة، هذه المعابر التي وفي حال لم تغلق بشكل كامل ستكون كارثة في المحرر بسبب انتشار فيروس كورونا في مناطق مليشيا أسد وميليشيا قسد.

لعل أغلبنا يعرف قصيدة “حكاية عباس” للشاعر العراقي أحمد مطر، إن حالنا شبيه جدا ً بحال عباس، الذي ظل يلمّع سيفه حتى وصل السارق الى بيته، وعباس مستمر في تلميع سيفه وفوق هذا يقدم للسارق القهوة!

دعونا من عباس، وهي بنا الى ذلك النمر الذي أصبح (خلال أيامه العشر) يردد كلمات لا تليق به، ويفعل أشياء لا ينبغي له فعلها، فلا خيار لديه سوى الانصياع للأوامر وهو داخل القفص.

إنه المال، لا كيان إلا كيانه، ولا كلام إلا كلامه، ولا مشروع الا مشروعه، ولا رمية إلا بأمره، ولا حب ولا كره إلا ما يحب ويكره.

خلاصة

إن للمال السياسي المشروط الدور الأهم في تشتيت المعارضة بشقيها السياسي والعسكري، فالطرفان أعداء لبعضهما البعض بسبب اختلاف الجهة الممولة، والعجيب أن الغاية (اسقاط النظام) التي من المفروض أن تكون واحدة، أصبحت أسبابها مختلفة، فاختلفت طرق الوصول اليها، وإذا اختلفت الطرق ضل القوم غايتهم، ووصلت بنا الحال أن نتعاتب ويتهم بعضنا بعضا ً، فصار ما بيننا من الخُلف أشد ما بيننا وبين النظام المجرم! وتلك والله السوءة.

أظن أن الأمر يحتاج الى جهة واحدة تتولى بنفسها ولوحدها عملية صنع القرار، هذه الجهة ينبغي أن تكون نابعة من وجدان هذا الشعب المقهور، وتتمتع بالقوة والأمانة، وتحاول أن تجعل المال السياسي المشروط، مالا ً سياسيا ً غير مشروط. أو استخدام ذلك المال المشروط (بطريقة ما) في بناء مشاريع اقتصادية يشكل عائدها دعما ماليا ً ذاتيا ًلمؤسسات الثورة. ومنوط بتلك الجهة تحويل الثورة من مأساة لا شيء فيها سوري سوى أشلاء الشهداء، الى هدف ذو خطة واضحة وتخطيط رشيد بعقول وأيادي سورية ما أمكن، فلا يمكن للفكرة أن تقتل الصنم إن لم يكن سلاحها ملك يمينها.


*باحث في العلوم السياسية.
[1] المال السياسي…  – صحيفة الرأي
http://alrai.com/article/564033.html

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.