الثورة السورية بين ممارسات قادتها ومفاهيم الاستبداد الموروثة
21/05/2020
لجنة مكافحة العنصرية تشيد بالمبادرات الرامية إلى تعزيز التكامل ومكافحة التمييز، ولكن لا تزال هناك تحديات
02/06/2020
مشاهدة الكل

العنف ضد المدنيين: سياسية النظام لإنهاء شرعية المعارضة

تاريخ النشر

العنف ضد المدنيين: سياسية النظام لإنهاء شرعية المعارضة

المركز السوري – بلال صطوف

مقدمة

تعتبر الثورة السورية إحدى أكثر ثورات الربيع العربي التي شهدت أعمال عنف مصدره السلطة،  طالت مئات ألاف المدنيين، فمنذ انطلاقة المظاهرات السلمية عمد النظام إلى استخدام الحل الأمني في قمع المظاهرات وذلك من خلال استهداف المتظاهرين بشكل مباشر ، ومع حمل الثوار السلاح وسيطرتهم على مناطق واسعة من الجغرافية والمدن السورية تحول النظام إلى الحل العسكري من خلال زج الجيش بشكل مباشر في معركته ضد قوى الثورة ، مستخدماً الدبابات والطائرات في قصف المدن والاحياء الشعبية والأسواق بشكل خاص ، فضلاً عن ارسال مفخخاته إلى مناطق الثورة ، كثيراً ما سمعنا من يحاول سوق الأسباب والدوافع التي تقف خلف ممارسات النظام هذه ، عبر إرجاعها إلى أسباب طائفية أو انتقامية.

تحاول هذه الورقة التعرف على أسباب ودوافع العنف المفرط الذي ارتكبه النظام، وذلك من خلال تقديم تصور لطبيعة الصراع السوري، ودور العنف في تثبيت حكم النظام السوري.

أولاً: ماهية الصراع في الثورة السورية:

يدور الصراع في الثورة السورية كما هو الحال في جميع الثورات حول مدى شرعية كل طرف من الأطراف المتصارعة، ففي حين تعمل قوى الثورة على بيان الجوانب التي تظهر عدم شرعية النظام القائم، وإثبات شرعيتها وأحقيتها في تسلم سلطة البلاد، يحاول النظام القائم هو الأخر منع الثوار من امتلاك الوسائل المناسبة لحصولهم على شرعية الحكم فضلاً عن سلطة البلاد، وتبقى لكل دولة خصوصيتها المتعلقة بمفهوم الأسس التي تقوم عليها شرعية نظام الحكم، فلكل دولة أركان شرعية تختلف عن بقية الدول.

وتشهد الثورة السورية صراع يدور في مجمله حول نفي أو تأكيد شرعية الحكم، إلا انها تتميز في اختلاف أركان شرعية الحكم بين النظام والمعارضة.

ثانياً: مفهوم الشرعية لدى نظام الأسد:

هناك العديد من أسس الشرعية على مستوى الحياة اليومية التي حاول النظام السوري بناءها وسوقها كل ما دعت الحاجة إليها وتنقسم هذه الاركان إلى:

  • توفير “الاستقرار الأمني” : لقد حاول النظام السوري طوال عقود حكمه إظهار قدرته على ضبط الأمن وتحقيق الاستقرار داخل البلاد من خلال بناء عدد كبير من الأجهزة الأمنية ” أمن الدولة ، الأمن السياسي، المخابرات الجوية، المخابرات العامة” وتوسيع حلقة نفوذ هذه الأجهزة ، وإقرار قانون الأحكام العرفية “الطوارئ” ، وأن كانت مهمة هذه الأجهزة تتركز في حماية النظام ، إلا أنها تمكنت من تحقيق ” الاستقرار الأمني”  القائم على القمع والترهيب بالدرجة الأولى، ثم عمد النظام إلى رفع الشعارات التي تتغنى بالسلام الذي يعم البلاد ” سورية الله حاميها” ،  واكساب هذا النموذج من “الاستقرار” طابعاً مقدساً.

  • احتكار الخدمات العامة: عمل نظام الأسد منذ وصوله إلى السلطة على احتكار الخدمات العامة وذلك من خلال تبنيه نموذج الاقتصاد المخطط والتي تتحكم فيه السلطة بكل أشكال العمل الاقتصادي ومنها الخدمات العامة كشبكات الكهرباء والمياه والاتصالات، بالإضافة إلى توسيع نطاق عمل القطاع الصحي الحكومي عبر بناء مشافي ومراكز صحة حكومية ” مستوصفات” منتشرة في معظم أنحاء البلاد تقدم الرعاية الصحية المجانية، مع تركيزه على عدد هذه المراكز وإهمال جودة الخدمات التي تقدمها.

  • احتكار السلع الضرورية: تعتبر عملية احتكار النظام للسلع الضرورية جزءً رئيسياً من مساعي النظام لتثبيت حكمه وذلك من خلال توفير السلع الضرورية ” المدعومة” والتي تشعر المواطنين بحاجتهم الدائمة إلى وجود هذا النظام، وأن عملية تغييره أو استبداله ستخلق أزمة معيشية تتعلق بعدم توفر السلع الضرورية، ومن أشهر أنواع السلع الضرورية المدعومة “النفط والخبز ” فضلاً عن السلع الأخرى التي كانت تقدم وفق نظام” البونات” الأسرية، ومؤخراً نظام ” البطاقة الذكية”.

ثالثاً: مساعي النظام في إنهاء شرعية المعارضة:

سعى النظام السوري منذ انطلاقة المظاهرات إلى إنهاء أي شكل من أشكال الشرعية التي تتمتع بها المعارضة سواءً المعارضة الداخلية أو الخارجية عبر اتهامها بالعمالة والخيانة ثم ممارسة أعمال العنف والقتل، ولأن النظام يمتلك تصور مسبق لأركان الشرعية المفترضة فقد وجه تركيزه إلى إفقاد المعارضة لأسس الشرعية كما يتصورها النظام نفسه، لا كما تمتلكها المعارضة، ولذلك نجد أن اهتمام النظام قد تركز بشكل رئيسي على:

  • منع المعارضة من بناء جهاز أمني في المناطق التي تسيطر عليها، من خلال القصف الذي طال المناطق الأهلة بالسكان المدنيين بهدف كسر حلقة الترابط بين سكان المناطق الخارجة عن سيطرته ومن يتولى إدارتها، بالإضافة إلى نشر عملائه، وحتى عندما عجز طيرانه عن الإغارة على المدن الحدودية مع تركيا عمد إلى إحداث تفجيرات استهدفت في مجملها أسواق المدنيين، كما حدث في تفجير سوق مدينة دركوش عام 2013م.

  • منع المعارضة من تقديم الخدمات العامة في مناطق سيطرتها، فعندما تفقد قوات النظام السيطرة على منطقة ما فأنها تعمد مباشرةً إلى قطع خطوط شبكة الكهرباء التي تغذي هذه المنطقة فضلاً عن خطوط مياه الشرب، وكذلك قصف المؤسسات التعليمية فقد بلغ عدد المدارس التي طالها قصف النظام٣٨٠٠ مدرسة خلال عامين[1]، حتى أصبح الذهاب إلى المدرسة شبه مستحيل، وتعتبر مجزرة مدارس بلدة حاس عام٢٠١٦م أشهر حالات قصف المدارس[2].

  • استهداف القطاع الصحي: اعتبرت قوات النظام القطاع الصحي الثوري عدوها الأبرز منذ انطلاقة الثورة، فكانت المشافي الميدانية هدفها الأول ولم تحترم حياد القطاع الصحي، بل راح إعلام النظام يتفنن في سوق الأكاذيب التي تتهم العاملين في المشافي الميدانية بالإرهاب، وبلغ عدد المنشآت الطبية التي استهدفها قصف النظام ٤٩ خلال الفترة الممتدة من ٢٨نيسان/أبريل ٢٠١٩ حتى ٥شباط/فبراير ٢٠٢٠م [3]، على الرغم من قيام منظمة الأمم المتحدة بتزويد جميع الأطراف المتحاربة بإحداثيات المشافي لمنع استهدافها[4].

ويظهر هنا كيف عمل النظام على تطبيق استراتيجيته الخاصة والتي تتمحور حول إفقاد المعارضة أركان شرعيتها ووجودها باستخدامه أقصى درجات العنف.

رابعاً: موقع الجانب الأمني في أركان شرعية المعارضة:

تنطلق أسس شرعية المعارضة بشكل أساسي من مبادئ الثورة وأهدافها والتي تتمثل في الحرية والكرامة، ولاحقاً حماية المدنيين بالمعنى العسكري. فقد ظلت المعارضة بكافة تشكيلاتها العسكرية تعاني من غياب المهنية في كوادرها الأمنية ومردّ ذلك إلى:

  • ضعف التدريب والتأهيل الأمني الذي يتطلب موارد ضخمة وخبرات كبيرة.

  • الصورة النمطية لأجهزة الأمن في العقل الجمعي السوري الثوري، والذي يرى في الأجهزة الأمنية عدوه الأول فهي التي اعتقلت وعذبت وقتلت مما أنتج حالة من عدم الثقة والتعاون بين الأجهزة الأمنية الثورية وسكان مناطق الثورة. فدائماً ما يُنظر إلى أمنيي فصائل المعارضة بعين الازدراء.

وهكذا نجد أن العامل الأمني لم يحظى سوى باهتمام محدود في مناطق سيطرة المعارضة، وظهرت حالة التراخي الأمني، مما فتح الباب واسعاً أمام عملاء النظام لإحداث التفجيرات هنا وهناك في حال غياب قدرة القصف الجوي.

خاتمة

لم يكن العنف المستخدم من النظام السوري نتيجة لعوامل نفسية أو ايدولوجية أو طائفية فقط، بل لعبت العوامل السياسية دورات رئيسياً فيه، فحجم هذا العنف كان نتيجة استراتيجية اتبعها النظام منذ الأيام الأولى للثورة واستمرت طوال أعوامها، ويهدف هذا العنف بالدرجة الأولى إلى منع المعارضة من بناء أسس لنظام مؤسسي قادر على القيام بالأعباء الملقاة على عاتق الدولة ، ويمنح سلطتها الشرعية اللازمة للحكم.

تختلف أسس الشرعية التي بنيَ عليها النظام عن تلك التي تعتمد عليها المعارضة مما أدى إلى تعامل كل طرف من منظوره الخاص الشرعية، فالنظام سعى إلى حرمان المعارضة من تحقيق الاستقرار الأمني وتقديم الخدمات العامة والسلع الضرورية وكان العنف ضد المدنيين في مناطق المعارضة وسيلته المفضلة في ذلك، فيما راحت المعارضة تتحدث عن مستويات القمع والاضطهاد لدى النظام وأهملت الجانب الأمني في مناطق سيطرتها، وهذا ما سهل على النظام ارتكاب كافة أشكال العنف ضد المدنيين.

تتنوع وسائل النظام في استهداف المدنيين وفق الظروف كالاعتقال والتصفية الجسدية المباشرة وقصف المدن بالطائرات ثم استخدام العبوات والمفخخات إذا ما عجز عن استخدام الوسائل الأخرى، لذلك يُتوقع قيام النظام بمزيد من هذه العمليات كلما عجز عن استخدام الطائرات في قصف المدن.

حتى تتمكن فصائل المعارضة من تحقيق الاستقرار الأمني في مناطق سيطرتها وتمنع النظام من إرسال مفخخاته لابد أن تعمل بدايةً على بناء جهاز أمني قادر على تغيير الصورة النمطية للأجهزة الأمنية القمعية، ثم رفع مستوى التدريب والتنظيم الأمني، وتوسيع صلاحيات القوى الأمنية دون أن يؤدي ذلك إلى إعادة صورة القمع الأمني.

[1] القطاع التعليمي في سورية: اكثر من 3800مدرسة تعرضت للدمار خلال عامين ، وكالة الأناضول، ١/٣/٢٠١٣م، https://bit.ly/2Tx7r4r ,أخر تحديث25\5\2020
[2] عبد الرحمن خضر, ارتفاع قتلى مجزرة مدارس “حاس” في إدلب إلى 26, العربي الجديد, 27 أكتوبر 2016م , https://bit.ly/3d0t70o , أخر تحديث25\5\2020
[3] ” صحة إدلب” تحصي المشافي التي قصفتها روسيا والنظام، وكالة آرام،٥/فبراير٢٠٢٠م، https://bit.ly/2ZyT7vV , أخر تحديث 25\5\2020
[4] الأمم المتحدة تتهم النظام السوري ب” تعمد” قصف مستشفيات بإدلب، وكالة الأناضول، ٥/٧/٢٠١٩م ، https://bit.ly/3eont8, أخر تحديث 25\5\2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *