سوء الأوضاع الاقتصادية في المناطق المحررة الأسباب وآلية الحل
18/05/2020
العنف ضد المدنيين: سياسية النظام لإنهاء شرعية المعارضة
29/05/2020
مشاهدة الكل

الثورة السورية بين ممارسات قادتها ومفاهيم الاستبداد الموروثة

تاريخ النشر

الثورة السورية بين ممارسات قادتها ومفاهيم الاستبداد الموروثة

عيسى حسين المحمد

باكورة:

يقول الله عز وجل: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} آل عمران: 35

يقول الشيخ الشعرواي في تفسير هذه الآية: إننا عندما نسمع كلمة “محرراً” فمعناها أنه غير مملوك لأحد فإذا قلنا (حررتُ العبدَ) يعني ينصرفُ دون قيدٍ عليه، أو حررتُ الكِتابَ أصلحتُ ما فيه، فتحرير أي أمرٍ هو إصلاحُ ما فيه من فساد أو إطلاقه من أي ارتباط أو قيد.

بعد أن كنا عبيداً للنظام البعثي، لا نعرف إلا كلمة نعم، صِرنا اليوم خارج سيطرته واستطعنا أن نقول نعم، لا، ونريد، إلا أننا لا زلنا محتفظين بقيوده علينا، فلا زلنا نئن تحت وطأة ثقافته وتعاليمه.

إن أغلب شخصيات الثورة السورية السياسية والعسكرية لا زالت داخل عباءة البعث، رغم أنهم خارج سيطرته، يشتركون في ذلك مع شخصيات النظام السوري السياسية والعسكرية والاقتصادية، إلا أن هؤلاء خاضعين لسيطرته.

 هي لله ولكن!

هذه العبارة “هي لله هي لله لا للسلطة ولا للجاه” كانت العبارة الرئيسية في سيمفونيات المظاهرات السلمية ضد النظام السوري البعثي، إلا أنها اليوم تكاد لا تذكر في المظاهرات التي تُقام بين الحين والآخر، ومن الطرافة أن هذه العبارة يقولها اليوم أغلب القيادات أو من هم في مركز القرار الثوري وخاصة عندما يطرح عليهم عبر وسائل الإعلام سؤال: ما السبب الذي دفعك للمشاركة في الثورة؟ إلا أن تلك العبارة أصبحت غِطاءً لما هو بعثي بامتياز.

كلنا شاهد رامي مخلوف وهو يتكلم عن مشاكله المالية مع آل الأسد، وكيف أدخل قضية الفقراء في خطابه، ووصل الى مرحلة الدعاء لرفع الظلم لشدة ما يعاني من ضغط البعث! وهذا مالم يكن معهوداً لدى هؤلاء. كأنه يقول لمؤيديه أموالي لله ثم للفقراء. المهم أن من وراء هذا الخطاب صراع شديد على النفوذ المالي والاقتصادي.

نفس الأمر في حاضنة الثورة، فهناك الكثير ممن هم على شاكلة مخلوف، فخطاب القادة والمتنفذين المبطن يوحي بأن كل أعمالهم لله ثم لهذه الثورة ولهؤلاء المقهورين، وفي ذات الوقت يدخلون في صراعات دموية على المعابر التجارية، والمناصب التنفيذية!

السؤال المهم هنا هو: أين عبارة “هي لله هي لله لا للسلطة ولا للجاه” من كل هذا؟ الإجابة ستكون تقديم أعذار، وإلقاء اللوم على الآخر، وعرض بطولات مجوفة.

ومن للثورة؟! لسان الحال كما قال عبد المطلب: إنما أنا رب الإبل، وإن للبيت رب سيمنعه. نعم، إن للثورة ضامنٌ سيمنعها! لقد قالوها إن لم يكن بألسنتهم فبأفعالهم. تركهم للجبهات، ودخولهم في صراعات مع بعضهم، وتحركاتهم المشروطة، أليست دليلاً على ذلك؟

ردة أخلاقية:

يكاد يكون هناك اتفاق لدى الشعب السوري في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام بأن الرعيل الأول من قادة الثورة وعناصرها، هم أفضل بكثير من قادة وعناصر اليوم.

لقد تمتع الرعيل الأول (قادة وعناصر) بالأخلاق والسمعة الحسنة، وعدد لا بأس به منهم كان على قدر من القوة والأمانة. فعبارة ” هي لله هي لله…” تماهت في شخصياتهم، فعاش الناس تلك العبارة واقعاً محسوساً.

وأما اليوم فإننا نقضي أوقات فراغنا في متابعة أخبار قادة اليوم، فهذا سرق من هذا، وهذا اعتدى على عِرض هذا، وهذا فُضِح َعلى الملأ بسبب الرذائل الموجودة في هاتفه المخترق، وهذا يتابع أخبار العاهرات ويكلمهن، وغيرها من سيئات الأمور التي يندا لها الجبين.

ويمكن إرجاع سبب ذلك إلى أمرين إثنين: المال، ورد فعل على فكر تنظيم الدولة الإسلامية.

فالمال الكثير إذا صار بأيدي الذين عاشوا الحرمان يحولهم الى طغاة ومجرمين.

ومن جهة أخرى فإن هؤلاء يعتقدون بأن كل شي مسموح إلا أمرين: التفكير بعقلية تنظيم الدولة الإسلامية، والعمل ضد الضامن التركي.

نفس الأمر عند شخصيات النظام البعثية، سواءً أكانت سياسية أو عسكرية. فمسموح لهم كل شي باستثناء ما يسيء الى الضامن الروسي، أو ما يسيء إلى قيادة البعث.

أهم المبادئ:

للكل مبادئ، سواءً كانوا دولاً، أو أحزاب، أو جماعات، أو أشخاص، ولكلٍ منهم مبادئ بارزة تصل إلى درجة التقديس، وتعتبر محركاً للجهة الحاملة، وأحياناً يشترك أكثر من طرف في مبدأ واحد، فعلى سبيل المثال: من أهم مبادئ حزب البعث العربي الاشتراكي إيمانه العميق بالثورة لتوحيد كافة الأقطار في دولة واحدة، فالبعث يؤمن بالثورة! ولكن ما هذه الثورة التي يؤمن بها البعث؟ هل هي ثورة ضد العلماء والمفكرين والمثقفين؟ أم هل هي ضد الأطفال والنساء والشيوخ؟

وبالمقابل، نحن أيضاً نؤمن بالثورة الجامعة لكل أطياف المجتمع السوري، إلا أن أغلب من يقودها حرف مسارها وشوهها فصارت وكأنها سباق لمن يجمع المال أكثر من الأخر، ومنافسة من يحصل على أهم المناصب ويبقى فيها لأطول فترة ممكنة، والنتيجة لا هم وحدوا أقطارهم، ولا نحن وحدنا أطيافنا.

تقتير هنا وإسراف هناك:

سيارات فخمة، وبيوت كأنها قصور، وسياحة في أجمل المدن، ومناصب رفيعة، ومشاريع ضخمة بملايين الدولارات، وفي الجهة الأخرى خيام من قماش كانت وسيلة لتلك الغايات الذميمة، وعندما يطلب شيء للمقهورين من كلا الطرفين يبدؤون بتقديم الأعذار القبيحة لتبرير العجز عن المساعدة، فبعثيي النظام قتال الارهابيين عندهم أولى من أي شيء، فلا وقت لديهم للمساعدة، حتى وإن ساعدوا تكون مساعداتهم ضمن مجال وخطة تزيد من ثروتهم. أما بعثيي الثورة فلا أموال تأتي من الداعم، ولدينا ما هو أهم من هذا، قتال النظام وقسد، وغيرها الكثير… ليسوا أهلاً لحمل همّ الناس، فعند أول فرصة تأتيهم يكونون في دول اللجوء، فأموالهم وابنائهم بانتظارهم. فعجز في الداخل وقوة ومنعة في الخارج.

الروح الاستبدادية:

منذ أربعينيات القرن العشرين، بدأت أفكار جمعية الإحياء العربي (نواة حزب البعث) تنتشر في المجتمع السوري، وتحفر في وجداننا حتى خدّت الأخاديد في ذاكرتنا الجمعية، فكان أهم ما ثبت في ثقافتنا هو الاستبداد.

اليوم، وبعد خمسة عقود من حكم البعث أصبحنا من الشعوب التي تحمل في ذاكرتها الجمعية روح الاستبداد (بشكل عام الاستبداد متجذر في العالم الشرقي حسب تعبير هيجل)، ورغم أن ثورات الربيع العربي كانت ضد الاستبداد والمستبدين، إلا أن بعضها خلع المستبدين وبقيت روح الاستبداد (بأنواعها) تصول وتجول في أروقة الذاكرة، والخلاص منها من أهم ما يواجهنا اليوم.

سنوات مرت على سياسيّ الثورة وعسكريّها وما زالوا متمسكين بمناصبهم وأفكارهم لا يرضون ترك المناصب لأهلها، ولا إدخال ما هو بعيد عن البعث لتطوير أفكارهم.

فرغم الأخطاء الكارثية التي ارتكبوها، والحماقات التي فعلوها، والمناطق التي غضّوا الطرف عنها فذهبت ضحية محاصصاتهم السياسية، مازالوا كما هم، ثوريين بعقول بعثية.

قد يحدث تغيير بسيط في المناصب، ولكن يبقى ضمن دائرة صغيرة، وضمن محاصصات سياسية قذرة.

لا ينكر عاقل بثقل الموروث البعثي على عقول السوريين، والسؤال هنا: كيف نخفف من ثقله على عقولنا؟

وفي الختام:

أرى أن استمرار كل الأزمات الداخلية التي تعاني منها الثورة السورية اليوم، هو بسبب الصمت عن هؤلاء.

فمازالت التفجيرات تفتك بالمدنيين، ومازالت مشاكل المؤسسات (الهشة) السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، والأمنية، والتعليمية، تزاد تأزماً. والقول بأننا نعيش في مناطق محررة يحتاج إلى مزيد من التوضيح، فإذا كنا خارج سيطرة النظام الجغرافية، فهذا لا يعني أننا في مناطق محررة. وللعلم مصطلح “مناطق محررة” لم يطلق إلا على المناطق التي شهدت عمليات عسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية، نحن فقط من يسمي مناطقنا مناطق محررة.

لقد وصلنا إلى مرحلة وضِعنا فيها بين فكي كماشة، قادة فاسدين مستبدين، لا قوة لهم ولا أمانة. وحثالة من الناس يهرفون بما لا يعرفون، يبررون لهم أفعالهم ويأوّلون لهم أقوالهم. والنتيجة، حرية بتراء ونظام أعرج.

1 Comment

  1. بالتوفيق استاذ عيسى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *