التقرير الأسبوعي لأهم التطورات والمتغيرات من 20 إلى 26 تموز 2020
27/07/2020
ضجيج بالبحر المتوسط
28/07/2020
مشاهدة الكل

التوعية السياسية ضرورة ملحة

التوعية السياسية ضرورة ملحة

    مصطفى إبراهيم  …   مقال رأي

     في إحدى الندوات الحوارية التي أقيمت في الشمال السوري، طرح مدير الجلسة سؤالا على المدعوين الذين هم – من المفترض – عينة من النخب المتعلمة في المنطقة حول تفضيلات كل منهم بخصوص مرشح الرئاسة لسوريا المستقبل. أغلب الإجابات كانت طريفة ومتوقعة؛ تستحضر الكثير من المشاعر المتداخلة والمتأرجحة بين الحزن والغضب والأسى. أجمل تلك الأجوبة ذلك الذي طرحه أحد الطائفيين المتعصب لطائفته (طائفة المتعلمين)، حيث يشترط أن يكون الرئيس صاحب أعلى درجة علمية، وبهذا الطرح ألغى صديقنا كل أنظمة الحكم في العالم، وابتكر نظاما جديدا للحكم يوفر على الدول الموارد التي تنفقها، والجهود التي تبذلها من أجل الانتخابات، إذ يكفي للدولة أن تنصب صاحب المرتبة العلمية الأعلى بعد موت سلفه؛ إنها “الملكية العلمية” على ما يبدو. يقول هذا وكأنه لم يصادف أو لم يكتشف أن أغلب أصحاب الشهادات العليا لا دخل لهم بالسياسة لا من قريب ولا من بعيد. بل وحتى من هو مختص بالعلوم السياسية ليس بالضرورة أن يكون سياسيا بالفعل. وبالأصح، نادرا ما يكون هؤلاء ساسة. لكن الأهم من طبيعة الأجوبة طبيعة السؤال ذاته، إذ يبدو أن من صاغ السؤال يعتقد أن الأمور في سوريا تستوي، وتحقق الثورة أهدافها من خلال استبدال المستبد الظالم بمستبد عادل. فهل حقا من أجل هذا قدم السوريون كل هذا الكم من التضحيات؟

     في كتاب “المطارحات” الذي يعتبر أهم ما كتبه “ميكافيلي” يقول المفكر والفيلسوف السياسي الشهير: كمبدأ أساسي ومقرر إنه لا يمكن إعادة الحرية بالنسبة إلى الدولة التي يحكمها أحد الأمراء والتي غدت فاسدة، حتى ولو أزيل الأمير وجميع من يلف حوله من الوجود، والحل في ذلك هو في تسلم أمير صالح، ورغم ذلك، قد ترتبط الحرية بعمر وحياة هذا الأمير، ولكن دورية إعادة تقويم القوانين والتنظيمات هي عامل مساعد في ضمان استمرار الحرية. ورغم أن “ميكافيلي” يعتبر وجود الأمير الصالح حلا مؤقتا، إلا أننا نخالفه الرأي، ونعتقد أن الأمير الصالح يستحيل أن يحكم في بيئة فاسدة، أو لنقل في بيئة أصبح فيها الفساد والاستبداد مكونا رئيسيا من ثقافة الشعب وطباعه، بل وحتى عاداته. ولعل ما نراه يوميا بالعين المجردة نحن السوريون يكفي لأن يكون دليلا على ما ذهبنا إليه.

     كم كنت أتمنى لو أن جلسة الحوار تلك افتتحت بمقولة مونتسكيو: “السلطة المطلقة مفسدة مطلقة” وكيف أن مونتسكيو نظر إلى السلطة على أنها قوة، وأن القوة لا تقيدها إلا قوة من طبيعتها، ومن ثم توصل إلى نظرية الفصل بين السلطات التي أصبحت اليوم أهم مبدأ من مبادئ الحكم الديمقراطي. ومن ثم فليُسأل الحضور عن أي الوسائل والقوانين والضمانات التي تقترحونها من أجل أن نضمن ألا يميل من توكل إليه السلطة إلى العسف والاستبداد والفساد.

     في البلدان المتقدمة أصبح الحديث عن السلطة المشخصة جزءا من الماضي ومن التاريخ، ونجدها في كتبهم ترد بصيغة “عندما كانت”، لكننا – مع شديد الأسف – ما زلنا مضطرين للحديث عنها بصيغة “متى سننتهي” ومتى ستتمكن عقولنا من استيعاب فكرة السلطة المجردة والغير مرتبطة بشخص من يمارسها كأحد أركان الدولة الثلاث: الجماعة البشرية، والأرض أو الإقليم الذي تسكنه هذه الجماعة البشرية بشكل مستقر، والسلطة السياسية التي تقوم بتنظيم علاقات هذه الجماعة البشرية المكونة من عدد من الجماعات الأصغر من خلال فرض القانون.

     بطريقة ما، يمكننا اختزال أهداف الثورات الكبرى التي عرفها التاريخ الحديث، كالثورة الأمريكية، والثورة البريطانية والثورة الفرنسية، وما تبعهم في باقي دول الغرب بهدف وحيد، وهو تحديد الجهة صاحبة السيادة، وافتكاكها من يد الحكام لتصبح في يد الشعوب. لتنتقل السلطة بعدها من شكلها المجسد أو المشخص إلى شكلها المؤسسي، حيث تنشأ السلطة بالاعتماد على رضا الشعب، وما الحكام – في هذه الحالة – سوى ممارسين للسلطة كوظيفة أسندت لهم من قبل صاحب السيادة. أي، الشعب. لا كما كانت سابقا عندهم، أو كما هي الآن عندنا، حيث يمارسها الحكام كأصحاب سيادة أو كأصحاب امتياز.

     يقال إنه من أصعب الأمور اقتلاع ثقافة واستبدالها بأخرى، وفي الحقيقة هو أمر مستحيل، خصوصا إذا أريد لهذا الأمر أن يحدث بسرعة، فمقاومة التغيير سمة من سمات الإنسان، والأفكار الجديدة تحتاج لوقت طويل كي تحجز لها مكانا عقول الناس. فعلى سبيل المثال ظهر فكر الأنوار في أوربا في القرن السابع عشر وتبلور في القرن الثامن عشر، حيث مهد لابتكار الحرية وظهور المواطن الحديث. وعصر الأنوار، أو عصر التنوير هذا: مصطلح أطلق على فترة زمنية اتسمت بظهور عدد من الفلاسفة والمفكرين وصفت أفكارهم بالتنويرية، حيث شدد أغلب هؤلاء على العقل باعتباره أفضل وسيلة لمعرفة الحقيقة. ولأن ثورات الربيع العربي لم تسبق بأفكار تنويرية؛ تخوف بعض المراقبين من ألا تصل تلك الثورات إلى الأهداف المرجوة، وبالفعل أثبتت بعض التجارب أن تخوف هؤلاء كان تخوفا مشروعا.

     مهما يكن، لا يمكن تحميل الشعوب العربية التي خرجت بشكل عفوي لتعبر عن رفضها للظلم والاستبداد والفساد مسؤولية ما حصل، بل وربما يمكننا إيجاد الأعذار حتى للنخب الفكرية، التي كانت تتعرض للإقصاء والتهميش والملاحقة من قبل الأنظمة الاستبدادية الحاكمة التي استفادت من التجارب الغربية بأنها استشعرت مكامن الخطر على مواقعها السلطوية، حيث نظرت إلى حرية التعبير أو الأفكار التنويرية كأحد أهم مصادر الخطر. وعليه، يمكن القول: إن ثورات الربيع العربي سُبقت بعصر من التجهيل والتضليل أنتجته هذه الأنظمة من خلال استحواذها وهيمنتها على كافة الوسائل التي يمكن أن تؤثر في ثقافة الشعب أو توجهاته.

     رغم ذلك، إذا كانت فكرة إيجاد الأعذار للنخب الثقافية والفكرية العربية نوعا من الإنصاف، إلا أن الأمر ليس كذلك بالنسبة للنخب الثقافية والفكرية السورية، وذلك بسبب المساحة الزمنية الواسعة التي أتاحتها الثورة السورية لهؤلاء. وعليه، أمام هذه الحالة من ضعف الوعي السياسي، يعتقد أنه، وكحد أدنى، كان من المفترض أن تصرف نصف الجهود الفكرية والتوعوية والبحثية في هذا الاتجاه، اتجاه التوعية السياسية باعتبارها ضرورة ملحة.

1 Comment

  1. سلوك مبني على ايام خلت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *