تعويذة المُمَانِعين بمناسبة ذكرى حرب تشرين: “الجولان نائم، لَعَنَ اللهُ مَن أيقظه!”
12/10/2021
رِفْعَتْ السفّاح
16/10/2021
مشاهدة الكل

التصعيد الروسي في ادلب … الدوافع والأهداف

التصعيد الروسي في ادلب الدوافع والأهداف

د. حسين إبراهيم قطريب

المركز السوري سيرز 15.04.2021

يبنى التحليل السياسي السليم على قراء صحيحة للواقع ومتغيراته وعلى معطيات الأحداث، وفي تحليل الوضع السوري بشكل عام والوضع في محافظة ادلب بشكل خاص يمكن الانطلاق به من قاعدة المسلمات التالية:

  • إن الأزمة السورية أخذت مداها الزمني، وهي في عامها الحادي عشر باتت مخرجاتها الإنسانية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ثقيلة جداً على جميع مكونات المجتمع السوري، وعلى دول الجوار الإقليمي، وأصبح التداول بشأنها في الأروقة الدولية محرجاً على مستوى الشعوب والحكومات، وقد تخرج ارتداداتها عن السيطرة.
  • ولابد من التفكير الجاد بحل سياسي يكون مقبولاً لدى جميع الأطراف السورية، ويضمن مصالح جميع الأطراف الفاعلة في النزاع السوري محلياً واقليمياً ودولياً، ويحقق وقفاً شاملاً لاطلاق النار، وينهي النزاع، ويحافظ على وحدة الجغرافية السورية، ويؤدي إلى فرض الأمن والأمان والاستقرار.
  • وبالرغم من محاولات دولية هادفة إلى إعادة تأهيل النظام، فإن إعادة تأهيله ليست بالأمر السهل، في ظل الواقع الحالي على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، فهناك الكثير من العقبات الكأداء أمام نجاح هذا المسعى، الذي يحتاج بالحد الأدنى إلى توافق دولي وإقليمي، وإلى استسلام قوى الثورة والمعارضة للنظام، علماً بأن تضميد الجرح السوري لا تستوعب لفافاته إعادة تأهيل المجرم السفاح بشار الأسد بأي شكل من الأشكال.
  • وإن نجاح أي حل سياسي في سورية لا بد له أن يقوم على قاعدة لملمة أطراف المجتمع السوري، وتوحيد أقاليم الجغرافية السورية، تحت مظلة سياسية وطنية جامعة واحدة، وهذا الأمر يكاد يكون مستحيلا في واقع الجرح المجتمعي وعمقه، وصورة التجزئة الحالية لمناطق السيطرة والنفوذ في الجغرافية السورية، حيث الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها قوات قسد الكردية الانفصالية في منطقة شرق الفرات، وتركيا وحلفاؤها في قوى الثورة والمعارضة في الشمال السوري، وروسيا والنظام في الساحل، وإيران والنظام والمليشيا الشيعية وقوات حزب الله اللبناني في ريف دمشق والبادية، وروسيا والنظام وإيران والوضع الهلامي في حوران.

والسؤال المطروح بقوة: ما هو المخرج من هذا العنق الضيق جداً لزجاجة الأزمة السورية؟

إن مؤشرات المناخ الدولي في ظل المسلمات المذكورة والحاجة الملحة لإيجاد حل سياسي في سورية، توحي بأن الأطراف الدولية الفاعلة في المسألة السورية تتجه في المرحلة الحالية الأولى نحو التفكير بلملمة أجزاء الجغرافية السورية تحت وصاية طرف دولي واحد، وروسيا هي الطرف المرشح الأوحد أمريكياً لهذه المهمة، بحكم سعة نفوذها العسكري والسياسي في سورية، وقدرتها على ضمان مصالح معظم الأطراف الدولية، وأهمها: إسرائيل وإيران وتركيا.

ولكن تحقيق الوصاية الروسية على كامل الجغرافية السورية ليس أمراً سهلا، ويتطلب انسحاب كافة القوى العسكرية والمليشيا الأجنبية المسلحة الأخرى من سورية، كما يحتاج إلأى عمليات عسكرية كبيرة، ومصالحات وتسويات سياسية معقدة، ويبدو تسلسل انسحاب القوى العسكرية من الساحة السورية وفق المعطيات سيكون على النحو التالي:

  1. انسحاب الجيش التركي من محافظة ادلب، وسيطرة روسيا عليها إما بالحرب أو بالتسوية على غرار ما حدث في درعا، وعلى مراحل، ربما أولها انسحاب قوى الثورة من مناطق محددة، ثم تسليم السلاح الثقيل، ثم عودة جزئية للنازحين، ثم إعادة تأهيل مؤسسات الدولة في المحافظة.
  2. انسحاب القوى العسكرية الأمريكية من منطقة شرق الفرات وتسليمها وإحلال القوات الروسيا بدلا منها، كي لا يحدث ما يخلط الأوراق في هذه المنطقة الحساسة، وتتولى روسيا حماية القوى الكردية الانفصالية، ورعاية وفاقاً بينها وبين النظام.
  3. انسحاب القوى العسكرية الإيرانية والمليشيا الشيعية التابعة لها على مرحلتين، في المرحلة الأولى إلى منطقة الميادين السورية في محافظة دير الزور، ثم تكمل انسحابها لاحقاً من سورية في المرحلة الثانية.
  4. انسحاب الجيش التركي من مناطق درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام، واجراء تسويات محلية بين الجيش الوطني وروسيا أيضا على غرار ما حدث في درعا.

وهذا السيناريو إن تم سيتم أولا بالتوافق بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وروسيا، ثم ممارسة الضغوط على إيران وتركيا لينسحبا من سورية، وتبسط روسيا وصايتها على جميع أقاليم الجغرافية السورية، وتضمن مصالح جميع الأطراف الدولية فيها، ثم تعمل على جعل القوى الثورية السورية قوىً ضعيفة وفي حالة هلامية مهيأة للقبول بأي حل سياسي للأزمة السورية يأتي مغلقاً بترتيبات الأمم المتحدة.

ولكن العقبة الكأداء أمام هذا السيناريو المحتمل والمرجح تكمن في خطوته الأولى التي تبدأ في مطلب انسحاب الجيش التركي من محافظة ادلب، واقناع تركيا بهذا الانسحاب المهين، وليس سهلا على تركيا أن تتعامل مع هكذا مطلب بانسيابية سريعة، لأن قادتها سيواجهون انتقادات حادة من شعبهم ومن معارضيهم، ومن حلفائهم السوريين، وهم على مقربة من انتخابات رئاسية ونيابية مفصلية في عام 2023م، ولهم في المسألة أيضاً حسابات معقدة في مجال الأمن القومي لتركيا، والتخوف من موجات جديدة من اللاجئين السوريين ربما بمئات اللآلاف، فضلا عن أن الانسحاب التركي من سورية سيصنف تاريخياً على أنه هزيمة عسكرية وسياسية كبيرة لتركيا.

وما تسرب عن مطالبة بوتن للرئيس أردوغان في سوتشي مؤخراً بالانسحاب من محافظة ادلب، ثم التصعيد العسكري الروسي الحالي فيها، واستهداف الجنود الأتراك داخل سورية، والليرة التركية التي سجلت انخفاضاً قياسياً أمام الدولار، ثم مطالبة وزير خارجية النظام فيصل المقداد تركيا بالانسحاب كذلك، وقيام الرئيس أردوغان بانتقاد الدور الأمريكي في سورية، كل ذلك من مؤشرات الضغوط على تركيا لدفعها نحو التفكير بالانسحاب من محافظة ادلب.

ومع الأسف إذا ما وجدت تركيا نفسها أمام خياري الانسحاب العسكري من محافظة ادلب أو مواجهة الإرادة الدولية، وخوض الحرب مع النظام وحلفائه الروس والإيرانيين، يرجح أنها ستفضل خيار الانسحاب. وستكون مضطرة لترك الشعب السوري لمصيره في المحرر، كما حدث لأهل درعا عندما تخلى عنهم الجميع نتيجة لتفاهم روسي – إسرائيلي – أمريكي.

ولكن أهل درعا الأباة لم يعدموا وسائل المقاوكة والصمود حتى بإمكاناتهم المتواضعة، وكذلك أهلنا في محافظة ادلب لن يكونوا أقل من ذلك، بل وقد لا يستطيع النظام وحلفاؤه الروس والايرانيون الدخول عنوة لكثير من المناطق ذات التضاريس الوعرة في محافظة ادلب.

والسؤال الأهم: إذا ما بسطت روسيا نفوذها في كامل الجغرافية السورية، وتحققت لها الوصاية على سورية بموافقة دولية، فهل ستسرع بإيجاد خطوات الحل السياسي المنشود؟

صرح الرئيس الروسي بوتن من قريب: “سنغادر سورية عندما تطلب ذلك منا حكومة شرعية جديدة”، ويحمل هذا التصريح في سطحياته الكثير من التضليل الدبلوماسي، ويشتمل في أعماقه على الكثير الكثير من المعاني والحقائق بالتحليل، وأبين ما فيه أن نظام المجرم بشار الأسد لن يطلب من روسيا المغادرة أبداً، وأن بوتن الذي استولى على جميع مقدرات سورية الاقتصادية والجيوسياسية لن يغادرها بالمنظور المرجو والقريب، لأن قواته في سورية لاتواجه أية مقاومة عسكرية أو سياسية، وهو لن يسعى إلا لإيجاد حكومة مشابه لحكومة بشار الأسد.

وتجدر الاشارة إلى أن النظام الاسدي المجرم استخدم كافة المزايا الاستراتيجية للجغرافية السورية، وقام بتبديد مواردها الطبيعية، وضحى بها، من أجل بقائه في السلطة، فمنح الاحتلال الروسي القواعد العسكرية، وأجره الموانئ، ووقع معه عقوداً طويلة الأمد (50) سنة، ومجحفة بحق سورية في مجال استثمار مواردها الطبيعية، كالفوسفات والنفط والغاز، وقضت عقود الفوسفات بـمحاصصة 70% من الإنتاج لروسيا و30% لسورية، وعقود الموانئ 65% من عائداتها لروسيا و35% لسورية، والغاز والنفط على غرار ذلك، فأتاح بذلك لروسيا فرصة التجذر في سورية، عسكرياً واقتصادياً وثقافياً أيضاً.

وفي شهر آذار من عام 2018م اتفقت روسيا مع النظام الأسدي على خريطة تعاون اقتصادي يتيح لروسيا الاستثمار وانشاء المشاريع في قطاعات النقل والكهرباء والصناعات التحويلية والغذائية والانشاءات والموارد المائية والاتصالات اللاسلكية وتوريد الآلات الزراعية وتجهيزات النفط والغاز، ما يعني تسليم روسيا معظم المقدرات السورية.   

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.