ارتدادات زلزال الخروج الأمريكي من أفغانستان
02/09/2021
سياسة المعابر والالتفاف على قرارات مجلس الأمن
05/09/2021
مشاهدة الكل

الانسحابات العسكرية والتفكير خارج الصندوق

الانسحابات العسكرية والتفكير خارج الصندوق

الباحث د. حسين إبراهيم قطريب

المركز السوري سيرز 04.09.2021

ليست كل الانسحابات العسكرية تعد هزائماً للطرف المنسحب وإن بدت ظاهرياً وقُيّمت كذلك، فكثير من انسحابات الجيوش المعادية تحدث من غير ضغوط عسكرية موجبة لانسحابها، وتكون عمليات هادفة وضمن خطة لإعادة انتشار مرسومة ومدروسة ومحكمة النتائج والأهداف، وتسبب أضراراً كارثية على أطراف أخرى.

وهنا يمكن طرح أسئلة عدة: هل انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من أفغانستان مهزومة فعلا أمام طالبان؟ وهل انسحبت إسرائيل مهزومة سابقاً من جنوب لبنان في عام 1982م بسبب عمليات حزب الله العسكرية؟ وهل انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من العراق مهزومة أمام ضربات المقاومة العراقية؟ وهل انسحب الجيش العراقي في عهد نوري المالكي مهزوماً أما تنظيم داعش من المحافظات السنية “الموصل والرمادي وتكريت”؟ وهل إذا انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية حالياً من العراق وسورية سيكون انسحابها خوفاً من الحشد الشعبي الشيعي والمليشيات الشيعية التابعة لإيران في سورية؟

لست في موطن التقليل من عظمة الجهاد الأفغاني وفعله الشديد على العدو لمدة عقدين من الزمن، ولست في موطن التشكيك بانتصار طالبان، ولا أقصد افساد الفرحة على المسلمين بهذا الشعور بالنصر، وإنما أدعو من يهمهم الأمر إلى دراسة مضامين الانسحاب الأمريكي من أفغانستان بدقة وأن يكونوا على بصيرة لمعرفة ما إذا كان لهذا الانسحاب أهداف خفية، وعدم التسليم به على أنه هزيمة عسكرية للولايات المتحدة الأمريكية فحسب.

وإذا عدنا إلى ملاحظة نتائج بعض الانسحابات العسكرية التي طبل لها على أنها هزيمة للعدو ونصر للطرف الآخر لوجدناها كانت خياراً عسكرياً هادفاً وله أبعاد استراتيجية وليس هزيمة محزنة للعدو أو انتصار مفرح للصديق كما ظنها الكثير منا.

فالانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في عام 1982م أعطى بعداً معنوياً وشعبياً لحزب الله اللبناني وصنفه في ذاكرة الشعوب العربية والمسلمة على أنه حزب مقاوم، ولكن ماذا كانت الحقيقة غير أن صار هذا الحزب حامياً لحدود الكيان الصهيوني مع لبنان في شمال فلسطين المحتلة، وذراعاً طائفياً قوياً وقاتلا للعرب والمسلمين، بيد إيران تضرب به الدول العربية وشعوبها في الوقت الذي تشاء.

والانسحاب الأمريكي من العراق بعد احتلاله في عام 2003م أمام ضربات المقاومة العراقية السنية أدى إلى انسلاخ العراق من هويته العربية وإلى سيطرة إيران على قراره ومقدراته وجعله قاعدة عسكرية متقدمة لها تستخدمها في خدمة نشر مشروعها الصفوي في المشرق العربي.

وكذلك انسحاب ثلاثة فرق عسكرية من الجيش العراقي في عام 2014م بعهد رئيس الوزراء نوري المالكي من المحافظات العراقية الشمالية السنية (الموصل والرمادي وتكريت) أمام ستمائة عنصر فقط من تنظيم داعش، كان له هدفه الاستراتيجي اللاحق في اجتياح المحافظات المذكورة وتدميرها وتشريد سكانها وإتمام عمليات التغيير الديمغرافي للسكان فيها، والتنظيم الإرهابي المشؤوم أعطى المبرر الشرعي للاجتياح وسهل عملياته بنزعه لسلاح الأهالي قبل حدوثه.

إن الولايات المتحدة الأمريكية دولة عظمى وقوية جداً ولها الكثير من المرتكزات والاختراقات في دول العالم ولا تقبل تجرع الهزيمة بسهولة، وتستطيع أن تضرب الاستقرار وتحول دون فرضه بشتى السبل والوسائل في أية منطقة من العالم، ولهذا يجب الحذر من ألاعيبها، وألا ننسى أنها هي صاحبة نظرية الفوضى الخلاقة، وقد يكون انسحابها من أي منطقة في العالم بهدف خلط الأوراق والتأسيس للفوضى الخلاقة التي ستكمل ما بدأته هي بفعلها العسكري الغاشم.

وإن الانسحاب الأمريكي من شرق سورية إن حدث في هذه الظروف قبل فرض الحل السياسي فيها، سيترك فراغاً تتحادق إليه الكثير من العيون، وتشرئب له الكثير من الأعناق، ويكون ساحة لصراع العديد من الأطراف، وبؤرة شديدة الحدة والشدة في الفوضى.

وسيكون له انعكاسات شديدة الخطورة والتأثير على كامل الجغرافية السورية، وعلى خارطة السيطرة والنفوذ للقوى الفاعلة فيها حالياً، وقد تشهد الساحة السورية ظهوراً لأطراف جديدة فيها، كقيام إسرائيل باجتياح المنطقة الجنوبية من سورية وضمها إلى الجولان المحتل.

وهكذا يتعقد المشهد في سورية أكثر، وتبرز مظاهر الفوضى الخلاقة فيها بأشد صورها المرسومة في مخيلة اليمين الأمريكي المتطرف، الذي يعمل في الولايات المتحدة الأمريكية من وراء جدار الإدارات الأمريكية المتعاقبة والمختلفة في برامجها المعلنة، ويحرص على بقاء نظام بشار الأسد وعدم سقوطه، وغض النظر عن التدخل الإيراني والروسي في سورية وعن كل الجرائم والفظائع التي ترتكب فيها، وضبط سلوك الكيان الصهيوني كما يجب.

وإلا كيف لنا أن نحل لغز ميلاد فكرة الانسحاب من أفغانستان في عهد إدارة الرئيس ترمب الجمهورية وتنفيذه في عهد إدارة الرئيس جوبايدن الديمقراطية، وهذا الحال يندرج على معظم قضايا السياسات الأمريكية الخارجية التي تبدو صادرة من معين واحد لا يختلف باختلاف برامج الإدارات الأمريكية المتعاقبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.