التأكيد على محاكمة مجرمي الحرب في سوريا
09/07/2020
معوقات التعليم عن بعد في المحرر
12/07/2020
مشاهدة الكل

آيا صوفيا… تركيا تستعيد دورها السياسي والديني

آيا صوفيا… تركيا تستعيد دورها السياسي والديني

المركز السوري سيرز – د. سامر عبد الهادي علي

السبت 11 تموز/ يوليو 2020

   منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا عام 2003، أخذت تركيا تنحى منحاً مغايراً للسياسة السابقة التي كانت سائدة لنحو 100 عام، كانت خلالها تركيا الجمهورية تنفض عنها ثوبها التاريخي وثقلها السياسي والعسكري، والأهم الديني. تلك السياسة المستوردة والمغايرة لطبيعة الشعب التركي ومعتقداته أدّت إلى تغريب تركيا عن عمقها الجغرافي والديني متجهةً نحو الغرب الأوروبي، وبالتالي ابتعدت عن صلاتها التاريخية بالعالمين العربي والإسلامي، ودخلت تركيا نتيجةً لذلك في نفق طويل من العزلة الداخلية “بين مكونات الشعب التركي”، والخارجية “عن العالمين العربي والإسلامي”، نتج عنها مشكلات عميقة عانت منها تركيا طوال تلك العقود، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ودينياً.

   عمل حزب العالة والتنمية الحاكم على تغيير وجهة تركيا المتغرّبة نحو استعادة دورها التاريخي السياسي والديني، هذا الدور القادم من تلك الانتصارات السياسية والعسكرية والتفوق الديني الإسلامي بتزعمها للعالم الإسلامي نحو ستة قرون متتالية، خاصة أن حزب العدالة والتنمية هو الآخر قادم من رحم التجربة السياسية الإسلامية التي بدأت تتنامى منذ مطلع خمسينيات القرن الماضي، ليمثل وصول هذا الحزب للسلطة عام 2003 واستمراريته بقوة حتى اليوم ذروة انتصار هذه السياسة، وبالتالي ترجمتها واقعاً بإعادة هيكلة الدولة التركية الجديدة على أسس قوية ومتينة نابعة من تلك الحقبة التاريخية التي تسيّدت فيها تركيا “العثمانية” العالم الإسلامي.

   لقد نجح رئيس العدالة والتنمية ورئيس تركيا رجب طيب أردوغان من شق هذا الطريق الصعب والشائك المليء بالمعوقات، إلا أنه استطاع خلال ثمانية عشر سنة من العمل الدؤوب والمتوازن من تحييدها، كما استطاع مراعاة كافة التناقضات الداخلية والخارجية، ما أزعج أعداء الداخل والخارج فاجتمعوا على ضرورة التخلص من هذه التجربة الفريدة، واجتمعوا في الخامس عشر من تموز/ يوليو 2016 في محاولة قلب النظام التركي الحاكم من خلال استعادة تجربة الانقلابات العسكرية التركية التي نجحت سابقاً لكنها فشلت هنا لأن تركيا الجديدة اليوم لم تعد تركيا السابق، تلك الدولة الضعيفة والمُستنزَفة التي تتحكم بها قوى داخلية خاضعة خضوعاً تاماً للأجندات الغربية.

   لقد استطاع الرئيس أردوغان تجاوز هذه المحنة نحو مرحلة أكثر قوةً وصلابةً وعزيمةً لتحقيق الأهداف المنشودة، وقد ظهرت جليةً في العديد من الملفات الداخلية والخارجية. ففي الداخل استطاع إزالة معظم المعوقات التي كانت تمنع تركيا من التطور والتقدم، بحيث وصلت لان تنتج معظم احتياجاتها الصناعية والعسكرية، وأقامت الكثير من المشاريع التنموية الضخمة على الأصعدة كافة، ما أدخلها ضمن مجموعة العشرين الكبرى اقتصادياً في العالم، والهدف الذي تسعى لبلوغه عام 2023 أن تكون ضمن الدول العشر الأوائل في العالم، وهي لم تعد بعيدة عن ذلك.

   أما خارجياً…. فعملت تركيا الجديدة على دعم ثورات الشعب العربي الطامح للتحرر من نير الاستبداد والظلم الذي مارسه حكامهم عليهم، واستطاعت تركيا أن تكون فاعلة في هذا الملف الشائك والمتعدد الجوانب والتأثيرات، ومن خلاله أخذت تتمدد سياسياً وعسكرياً باتجاه الشرق والجنوب الشرقي، ثم باتجاه الشمال والجنوب الإفريقي، خاصة في الملف الليبي، تصدّت فيها للمشاريع الغربية المدعومة من بعض أنظمة الشّر العربي، بهدف إحباط ثورات الشعب في تلك الدول.

   بعد كل هذه الإنجازات الداخلية والخارجية، والقوة التي باتت عليها تركيا الجديدة اليوم، أصبحت تركيا سيّدة قرارها، ولم تعد تلك الدولة الخاضعة لسياسات خارجية تتحكم بقرارها ومصيرها.

   لذلك يمكن القول أنّ إعلان تركيا في 10 تموز/ يوليو الجاري إعادة أبرز معالمها التاريخية والدينية آيا صوفيا إلى مسجد يُرفع فيه الأذان وتٌقام فيه الصلوات، بعد أن كان لعقودٍ تسعة متحفاً للسياح، لأَبرز رمزية لما وصلت إليه تركيا اليوم من القوة والمنعة. هذه الخطوة التاريخية التي أعلنتها الحكومة التركية رغم علمها بالاعتراضات الكبيرة التي تنتظرها من دول عدّة في العالم، منها فاعلة دولياً، كالولايات المتحدة الأمريكية وروسيا خاصة، إلا أنها لم تعد تكترث لتلك الاعتراضات أو لتلك الدول. لذلك أقول أنّ تركيا اليوم هي تركيا الجديدة بقوتها ودورها وموقعها السياسي والديني الذي استعادته مجدداً للسير به نحو مستقبل أكثر تقدماً وقوةً ومكانةً إقليمية ودولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.