مباحثات المانية فرنسية روسية
31/03/2021
تقرير عن ندوة المركز في مدينة ادلب عشر سنوات على الثورة: النجاحات، الإخفاقات، وما يتوجب عمله
03/04/2021
مشاهدة الكل

آثار فتح المعابر بين مناطق النظام والمناطق المحررة

آثار فتح المعابر بين مناطق النظام والمناطق المحررة

أ. أحمد محمد طالب

المركز السوري سيرز 03.04.2021

تعاني المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري من وضع اقتصادي كارثي يتمثل في انهيار الليرة السورية وغلاء الأسعار مع بقاء دخل المواطن العادي على حاله القديم.

بينما تعيش المناطق المحررة في حال أحسن بسبب تداول عملات أخرى كالليرة التركية والدولار وهو ما جعل تغير الدخل متناسب طرداً مع الأسعار لأغلب المواطنين، لكن هذا لا يعني أن هذه المناطق في حالة رخاء بل تنتشر البطالة بشكل كبير ومعدلات الأجور لا تزال منخفضة والكثافة السكانية عالية جداً مع عدم وجود منشآت صناعية أو أسواق تجارية تتيح الفرصة للسوريين بتحسين أوضاعهم.

ومع هذه الظروف نسمع بين الحين والآخر حديثاً من هنا وهناك عن مقترحات روسية لفتح المعابر التجارية بين المناطق المحررة ومناطق سيطرة النظام، ويكثر الجدل حول المستفيد من هذه المعابر، وسبب طرح الروس لها كل فترة وإصرارهم عليها، سنحاول من خلال هذه الورقات قراءة الموضوع من عدة جوانب.

أسباب تدهور الاقتصاد عند النظام

يستمر النظام السوري بالحديث عن الحصار الذي يتعرض له والعقوبات المفروضة عليه مشيراً أنها سبب الكارثة الاقتصادية في المناطق التي يسيطر عليها، ورغم كون ذلك مؤثراً إلا أنه ليس العامل المسبب الأول، فالنظام لا يملك المقومات التي تساعده على الانتعاش في حال عدم وجود حصار مفروض عليه، ونذكر بعض تلك الأسباب كما يلي:

  1. تدمير البنية التحتية بسبب القصف الذي طال أغلب المناطق السورية.
  2. تخريب المساحات الزراعية بشكل مقصود في كثير من الأحيان إضافة إلى النزوح الجماعي وغلاء المستلزمات الزراعية الذي أدى إلى انخفاض الانتاج الزراعي إلى أدنى مستوى له في تاريخ سوريا المعاصر.
  3. تدمير قطاع السياحة بعد تحول سوريا إلى واحدة من أخطر المناطق في العالم، بل دمرت أيضاً الكثير من المعالم السياحية والآثار التاريخية بفعل القصف.
  4. تهجير الكفاءات العلمية والمهنية وهذ العامل كان مشاركاً في تراجع مختلف القطاعات.
  5. الفساد المنتشر والمتزايد في مناطق النظام، إذ تستمر الطبقة المقربة من العائلة الحاكمة بزيادة ثرواتها مع تزايد فقر الشعب السوري.
  6. هروب رؤوس الأموال خارج سوريا بسبب غياب الأمن من جهة، وبسبب استمرار الابتزاز الممارس ضدهم من قبل السلطات الأمنية، وإجبارهم على دفع رواتب عناصر الميليشيات، واستمرار المضايقات والاتاوات المفروضة عليهم وعلى مصالحم.
  7. استمرار الحرب والخيار العسكري في مواجهة الثورة الشعبية، ما يعني استمرار التكاليف الباهظة للمعارك العسكرية.
  8. تأثير العقوبات على إيران ربما كان أكبر من تأثير العقوبات المباشرة على النظام نفسه، إذ لم تعد إيران قادرة على دعم النظام السوري إلا بشكل محدود.

الواقع المعيشي في الشمال السوري

أيضاً في مناطق الشمال السوري والتي تحررت من سيطرة النظام يعيش السكان حالة من الضيق والمعاناة الاقتصادية، رغم أنها أفضل حالاً من مناطق النظام إلا أنها تعاني لكثير من الأسباب، منها:

  1. تراجع في نوعية وجودة الخدمات العامة وخاصة الرئيسية منها، كالكهرباء والماء والطرق والشوارع العامة، الأمر الذي يتسبب في تزايد الأعباء المالية للمواطنين ويثقل كاهلهم بها.
  2. عدم وجود سلع مدعومة إلا الخبز وبكميات محدودة، تلك السلع التي كانت ستشكل منفذاً للفقراء لتأمين جزء من الحاجات الضرورية للحياة بأسعار أٌقل.
  3. سيطرة القطاعات غير الإنتاجية وذات الربح السريع، كالتجارة والاستيراد والتصدير وعمل الصيرفة على الاقتصاد المحلي، وهو ما يمنع تحقيق تراكمات مالية أو قيم مضافة، أو إيجاد فرص عمل جديدة.
  4. الاحتكار، وتلاعب التجار بحركة الأسواق، خصوصاً مع ضعف الرقابة بل دعم بعض المسيطرين لسياسات الاحتكار في المناطق المحررة.
  5. عدم قيام المنظمات الإنسانية بدورها بالشكل الأنسب، وذلك يعود لأسباب منها الفساد في التوظيف من جهة وفي التوزيع من جهة أخرى، وأيضاً انحراف المشروعات المقدمة عن غايتها في تحقيق الفائدة للشعب في المنطقة، حيث تقدم المشروعات بالشكل الذي يمكن أن يرضي الداعم للحصول على أموال دون تحقيق فائدة حقيقية.
  6. الكثافة السكانية العالية والتي تضعف من فرص الكثير من السكان في الحصول على العمل، خصوصاً مع تناقص مساحة المناطق المحررة، وتهجير الكثير من السكان الذين كانوا يعتمدون على الزراعة عن أراضيهم.
  7. استمرار القصف من قبل النظام وداعميه، وذلك يعيق وجود مشاريع استثمارية كبيرة، كما يسبب أضراراً مادية باستمرار.
  8. كون الكثير من السكان مهجرون أصلاً، لا يملكون بيوتاً أو أراض زراعية أو رؤوس أموال في هذه المناطق، بل بقي معظمها في مناطقهم الأصلية التي يسيطر عليها النظام.

من المستفيد اقتصادياً من فتح المعابر؟

لا يمكن القول بأنه لا توجد فوائد أبداً للتبادل التجاري سواء للمناطق المحررة أو لمناطق النظام أو للنظام نفسه، ولكن نستطيع تقدير تلك المصالح المتوقعة للطرفين لموازنة الأمور قبل اتخاذ القرار المناسب.

مع استعراض الأسباب التي أدت إلى انهيار اقتصاد النظام السوري سنجد أن كثيراً منها لن يغير فتح المعابر فيه شيء، فالفساد لازال منتشراً، والبنية التحتية لا زالت مدمرة، وكذلك قطاعي الزراعة والسياحة، ولن تعود رؤوس الأموال والكفاءات المهجرة بمجرد فتح المعابر، وحتى الحرب لو سلمنا أنها ستهدأ مؤقتاً إلا أن التكاليف العسكرية ستبقى باهظة بسبب استمرار التجهيز لمعارك مقبلة.

يمكن حصر الفوائد الاقتصادية التي سيجنيها النظام بدخول البضائع من المناطق المحررة والتي تأتي من خلال تركيا، ولكن الأسعار لن تكون منخفضة لأن التعامل سيكون بعملات أخرى غير الليرة السورية التي صارت قيمتها في أدنى مستوى.

وأيضاً المناطق المحررة لن تحقق تلك الفائدة الكبرى، فستبقى الخدمات غير موجودة والسلع غير مدعومة والقطاعات المسيطرة هي تلك التي تسعى للربح السريع، وحال المهجرين سيظل صعباً حيث لن تؤمن عودتهم إلى بيوتهم بمجرد فتح المعابر التجارية، حتى البضائع التي تباع في مناطق النظام بسعر أقل فإنها لن تصل إلا بسعر مرتفع بسبب الاحتكار والرسوم التي ستفرض على الحواجز، بالمقابل سيكون لدى بعض التجار أو الصناع في المناطق المحررة القدرة على إرسال البضائع إلى مناطق النظام وهي سوق تصريف للمنتجات ربما يحتاجونها فعلاً.

يمكن النظر إلى الفوائد سيجنيها المسيطرون على الحواجز سواء النظام أو الفصائل المسيطرة في المناطق المحررة عن طريق فرض الرسوم على الشحنات أنها منافع سيجنيها النظام وتجنيها الفصائل لكنها لن تنعكس على عموم الشعب السوري.

قصة المساعدات الإنسانية

منذ عام 2014 والمساعدات الإنسانية تدخل إلى المناطق المحررة عبر الحدود التركية بدون حاجة إلى تفويض من النظام، واستمر ذلك حتى مطلع تموز 2020 حيث استخدمت روسيا والصين فيتو مزدوج أسقطتا من خلاله مشروع قرار بلجيكي-ألماني يجدد تفويض عمليات إدخال المساعدات الإنسانية عبر الحدود إلى شمال غربي سوريا، وكانت المسودة قد اقترحت تجديد التفويض لاستخدام معبري باب الهوى وباب السلامة الحدوديين وإدخال المساعدات الإنسانية من تركيا إلى شمال غربي سوريا لمدة إضافية.

وبعد محاولات عديدة أقر مجلس الأمن تمديد دخول المساعدات من معبر واحد هو معبر باب الهوى لمدة عام.

ومع اقتراب انتهاء العام بدأت روسيا الحديث عن ضرورة دخول المساعدات عبر حكومة النظام السوري حصراُ باعتبارها الحكومة الشرعية في البلاد حسب رأيها.

لماذا تريد روسيا دخول المساعدات من خلال النظام؟

  1. تحاول روسيا من خلال حصر دخول المساعدات عن طريق النظام السوري أن تثبت أنه المسيطر على الأراضي السورية، وأن هناك دولة يجب أن تتمتع بالسيادة، ويتزايد تعاون الأمم المتحدة معه، وبعد ذلك فتح المجال لإعادة علاقاته الدولية.
  2. مرور كل المساعدات من خلال النظام سيعطيه الفرصة لإحكام السيطرة عليها واستخدامها لمعاقبة المعارضين، أو الضغط عليهم، كما فعل من قبل في الغوطة الشرقية وريف حمص الشمالي وغيرها.
  3. إن قيمة المساعدات ليست قليلة، وقد وصلت قيمة المنح في مؤتمر بروكسل إلى 6.4 مليار دولار، وطبعاً سيكون لمسؤولي النظام والموالين وأصحاب السلطة القدرة على سرقتها، وهذا سيزيد تمسكهم به أو على الأقل يخفف من تذمرهم الحالي بسبب الأزمة الاقتصادية التي يمر بها.
  4. لا بد أن نعلم أن موظفي المنظمات في مناطق النظام لا يملكون الخيار لرفض التعامل مع أجهزة الأمن أو إعطائهم ما يلزم من معلومات وإحصائيات وغير ذلك.

علاقة فتح المعابر بالمساعدات

تسعى روسيا باستمرار إلى تقوية موقفها في مجلس الأمن وتعزيز روايتها حول الحكومة الشرعية وضرورة التعامل معها، ولا بد من إظهارها بمظهر الحريص على المدنيين، ولذلك نجد أن تصريحات الروس تتحدث عن معابر إنسانية لتحسين أحوال المدنيين في مناطق الشمال السوري.

 أيضاً لا بد من وجود طريق تمر منه الشاحنات من دمشق إلى الشمال لتقوية حجة روسيا أمام مجلس الأمن في الادعاء أنه لا داعي لاستخدام معبر باب الهوى أو غيره لإدخال المساعدات.

في النهاية،

إن فتح المعابر ربما يحقق بعض الفوائد الاقتصادية للمناطق المحررة، وكذلك سيحقق فوائد للنظام السوري ربما تكون أكبر، ولكن الأكثر واقعية أن روسيا تريد من اقتراحها شيئاً أكبر من ذلك مرتبط بدخول المساعدات الإنسانية، يعزز هذا الرأي توقيت طرح القضية قبل ثلاثة أشهر من انتهاء المدة المحددة في القرار السابق الذي نص على تمديد دخول المساعدات من معبر باب الهوى.

لتحميل الورقة بصيغة بي دي اف PDF

آثار فتح المعابر بين مناطق النظام والمناطق المحررة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.